رسالة الشيخ أرسلان الدمشقي

كلُّك شِركٌ خفيٌّ، ولا يبين لك توحيدُك إلا إذا خرجت عنك، فكلَّما أخلصتَ يَكشِف لك أنه هو لا أنت، فتستغفرَ منك، وكلَّما وحَّدتَ بَانَ لك الشرك، فتجدِّدَ له في كلِّ ساعةٍ ووقتٍ توحيدًا وإيمانًا، وكلَّما خرجْتَ عنهم زاد إيمانُك، وكلَّما خرجْتَ عنك قوي يقينُك.

 
يا أسير الشهوات، يا أسير المقامات والعبادات والمكاشفات... أنت مغرور، أنت مشتغل بك عنه، أين الاشتغال به عنك؟ وهو عزَّ وجلَّ حاضرٌ ناظر، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} في الدنيا وفي الآخرة.

 
إذا كنت معه حجبك عنك، وإذا كنت معك استعبدك له.
الإيمانُ خروجُك عنهم، واليقينُ خروجُك عنك.

 
إذا زاد إيمانُك نُقِلْتَ من حالٍ إلى حال، وإذا زاد يقينُك نُقِلْتَ من مقامٍ إلى مقام.

 
الشريعةُ جُعلت لك حتى تطلبَه منه به تعالى لك، والحقيقةُ له حتى تطلبها به له عزَّ وجلَّ، حيث لا حين ولا أين، فالشريعةُ حدودٌ وجهات، والحقيقةُ لا حدَّ ولا جهة.


القائم بالشريعة فقط تفضَّلَ عليه بالمجاهدة، والقائم بالحقيقة تفضَّل عليه بالمِنَّة، وشتَّان ما بين المجاهدة والمنة، القائمُ مع المجاهدة موجود، والقائمُ مع المِنَّة مفقود.

 
الأعمالُ متعلِّقةٌ بالشرع الشريف، والتوكُّلُ متعلِّقٌ بالإيمان، والتوحيدُ متعلِّقٌ بالكشف الصحيح.


الناس تائهون عن الحقِّ بالعقل، وتائهون عن الآخرة بالهوى، فمتى طلبْتَ الحقَّ بالعقل فقد ضَلَلْت، ومتى طلبْتَ الآخرة بالهوى فقد ضللت.

 
المؤمن ينظر بنور الله، والعارف ينظر به إليه.

 
مادمت أنت معك أمرناك، فإذا فنيتَ عنك تولَّيناك، وما تولاهم إلا بعد فنائهم.


ما دمت أنت فأنت مريد، فإذا أفناك عنك فأنت مراد.

 
اليقينُ الأدوَمُ في غيبتك عنك ووجودك به، فكم بين ما يكون بأمره وبين ما يكون به؟ إن كنتَ قائمًا بأمره خضعَتْ لك الأسباب، وإن كنت قائمًا به تضعضَعَتْ لك الأكوان.

 
أوَّلُ المقامات الصبرُ على مراده، وأوسطُها الرضى بمراده، وآخرُها أن تكون بمراده.

 
العلمُ طريقُ العمل، والعملُ طريقُ العلم، والعلم طريق المعرفة، والمعرفةُ طريقُ الكشف، والكشفُ طريقُ الفناء.

 
ما صَلَحْتَ لنا وفيك بقيَّةٌ لسوانا، فإذا حوَّلْتَ السوى أفنيناك عنك، فصلَحْتَ لنا، فأودعناك سِرَّنا.

 
إذا لم يبقَ عليك حركةٌ لنفسك كَمُلَ يقينُك، وإذا لم يبقَ لك وجودٌ عندك كَمُلَ توحيدُك.


أهل الباطن مع اليقين، وأهل الظاهر مع الإيمان، فمتى تحرَّك قلبُ صاحب اليقين نقص يقينه، ومتى لم يخطر له خاطرٌ كَمُلَ يقينه، ومتى تحرَّك قلبُ صاحب الإيمان بغير الأمر نقص إيمانه، ومتى تحرَّك بالأمر كمل إيمانه.

 
معصيةُ أهل اليقين كفر، ومعصيةُ أهل الإيمان نقص.

 
المتَّقي مجتهد، والمحبُّ متَّكل، والعارفُ ساكن، والموجودُ مفقود، لا سكونَ لمتَّقٍ، ولا عزمَ لمحبٍّ، ولا حركةَ لعارفٍ، ولا وجودَ لمفقود.

 
ما تحصُلُ المحبَّة إلا بعد اليقين.

 
المحبُّ الصادق قد خلا قلبُه مما سواه، وما دام عليه بقيَّةُ محبَّةٍ لسواه فهو ناقصُ المحبَّة.


من تلذَّذَ بالبلاء فهو موجود، ومن تلذَّذَ بالنعمة فهو موجود، فإذا أفناهم عنهم ذهبَ التلذُّذُ بالبلاء والنعمة.


المحبُّ أنفاسُه حكمة، والمحبوبُ أنفاسُه قدرة.

 
العباداتُ للمعاوَضات، والمحبَّةُ للقُرُبات، (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ)، لما أرادوني لي أعطيتُهم ما لا عينٌ رأت ولا أُذُنٌ سمعت.

 
إذا أفناك عن هواك بالحكمة، وعن إرادتك بالعلم، صِرْتَ عبدًا صرفًا، لا هوى لك ولا إرادة، فحينئذٍ يَكشفُ لك عن نفسك، فتضمحلُّ العبوديَّة في الوحدانيَّة، فيفنى العبدُ ويبقى الربُّ تعالى.


الشريعةُ كلُّها قبض، والعلمُ كلُّه بسط، والمعرفةُ كلُّها دلال.

 
طريقتُنا كلها محبَّةٌ لا عمل، وفناءٌ لا بقاء.

 
إذا دخلْتَ في العمل كنتَ لك، وإذا دخلْتَ في المحبَّة كنتَ له.

 
العابدُ راءٍ لعبادته، والمحبُّ راءٍ لمحبَّته.

 
إذا عرفتَه كانت أنفاسُك به، وحركاتُك له، وإذا جهلتَه كانت حركاتُك لك.

 
العابدُ ما له سكون، والزاهدُ ما له رغبة، والصِّدِّيقُ ما له ارتكان، والعارفُ ما له حولٌ ولا له قوَّةٌ ولا اختيارٌ ولا إرادةٌ ولا حركةٌ ولا سكونٌ.

 
الموجودُ ما له وجود.


إذا استأنسْتَ به، استوحشْتَ منك.


من اشتغل بنا له أعميناه، ومن اشتغل بنا لنا بصَّرْنَاه.


إذا زال هواك يكشف لك عن باب الحقيقة، فتفنى إرادتُك، فيكشف لك عن الوحدانية، فتحققت به أنه هو بلا أنت معه.

 
إن سلمْتَ إليه قرَّبك، وإن نازعْتَه أبعدَك.

 
إن تقرَّبْتَ إليه به قرَّبَك، وإن تقرَّبْتَ إليه بك أبعدَك.

 
إن طلبْتَه لك كلَّفَك، وإن طلبْتَه له دلَّلك.

 
قربُك خروجُك عنك، وبُعدُك وقوفُك معك.

 
إن جِئْتَ بلا أنت قَبِلَك، وإن جئتَ بك حَجَبَك.


العاملُ لا يكاد يخلص من رؤية عمله، فكن من قبيل المنَّة، ولا تكن من قبيل العمل.

 
إن عرفْتَه سكنْت، وإن جَهِلْتَه تحرَّكْت، فالمرادُ أن يكونَ ولا تكون.

 
العوامُّ أعمالُهم متَّهمات، والخواصُّ أعمالُهم قُرُبات، وخواصُّ الخواصِّ أعمالُهم درجات.

 
كلَّما اجتنبْتَ هواك قوي إيمانُك، وكلَّما اجتنبْتَ ذاتَك قوي توحيدُك.

 
الخلقُ حجاب، وأنت حجاب، والحقُّ ليس بمحجوب، ومحتجِبٌ عنك بك، وأنت محجوبٌ عنك بهم، فانفصِلْ عنك تشهدْه، والسلام.